الشيخ محمد تقي الرازي الأصفهاني
29
هداية المسترشدين
يمكن تقرير هذه الحجة بوجهين : أحدهما : ما أشرنا إليه من الرجوع إلى العقل بعد إثبات دلالة اللفظ على المنع من إدخال طبيعة الفعل في الوجود ، وهذا هو الذي يقتضيه ظاهر الآية . ويرد عليه حينئذ أن ذلك إنما يقتضي كون الدوام مدلولا التزاميا لطلب ترك الطبيعة ، سواء أدي ذلك بصيغة النهي أو بغيره ، فلا يفيد وضع الصيغة للدوام ، فإن أريد بذلك بيان وضع الصيغة له فهو ظاهر الفساد ، وإن أريد به بيان الدلالة الالتزامية فهو متجه ، كما مر القول فيه ، إلا أنه مخالف لما يظهر من كلامه في آخر المبحث ، لظهوره في دعوى الوضع للدوام . وقد يورد عليه أيضا بأنه إن أريد بالمنع من إدخال الماهية في الوجود دائما فهو أول الكلام ، وإن أريد بالمنع من إدخاله في الوجود في الجملة فغاية ما يقتضيه عدم إدخال شئ من أفراد الماهية في الوجود في بعض الأوقات ، لصدق عدم إدخال الماهية في الوجود مع عدم إيجاد شئ من أفرادها في بعض الأزمنة . ويدفعه ما عرفت من أن عدم إيجاد الطبيعة المطلقة لا يصدق إلا بتركها بالمرة ، دون ما إذا تركها في وقت وأتى بها في آخر ، لظهور صدق إتيانه حينئذ بالطبيعة وهو لا يجامع صدق تركه لها . غاية الأمر أن يصدق تركه للطبيعة في الزمان المفروض وهو لا يستلزم صدق ترك الطبيعة مطلقا كما عرفت . ويشهد له أن المنع من الترك الحاصل بإيجاب الفعل إنما يقتضي عدم ترك الفعل مطلقا ، كيف ! ولو صدق ترك الفعل مع ترك جميع أفرادها في آن من الأوان لزم القول بالملازمة بين الأمر والنهي في الدلالة على الدوام ، مع أنهم لا يقولون به ، فإن وجوب الشئ يستلزم المنع من تركه أو يتضمنه - حسب ما مر - ومع البناء على حصول ترك الشئ بتركه في آن ما يلزم تركه أن يكون تركه في كل آن متعلقا للمنع ، بناء على استلزام المنع من الشئ المنع من جميع أفراده في جميع الأزمنة - كما هو مختار القائل بدلالة النهي على الدوام - فلا يصح البناء على الفرق بين الأمرين .